علي الشهراني
09-25-2009, 12:10 PM
يروى أن رجلا ضاقت به سبل العيش ، فسئم الحياة ومل حياة العوز والفقر
وقرر أن يهيم على وجهه في بلاد الله الواسعة طلبا للرزق ،
فترك بيته وأهله وغادر المنطقة متجهاً نحو الشرق ،
وسار طويلاً حتى وصل بعد جهدٍ كبير ومشقةٍ عظيمة إلى منطقة شرقيّ الجزيرة العربية،
وقادته الخطى إلى بيت أحد الشيوخ الأجواد الذي رحّب به وأكرم وفادته ،
وبعد انقضاء أيام الضيافة سأله عن غايته ، فأخبره بها .
فقال له المضيّف : ( الفقر لبس عيب ولا يوطّي من القدر شان لكن العيب على اللي يسوّي الشينه )
ما رأيك أن تعمل عندي على أن أعطيك ما يرضيك ؟......
ولما كان صاحبنا بحاجة إلى مكان يأوي إليـه ، وإلى عملٍ يعمل فيه اتفق معه على ذلك .
وعمل الرجل عند مضيفه أحياناً يرعى الإبل وأحياناً أخرى يعمل في مضافته يعدّ القهوة للضيوف ،
ودام على ذلك الحال لأكثر من عشرين سنة
كان الشيخ يكافئه خلالها ببعض الإبل والماشية .
ومضت عدة سنوات اشتاق فيها الرجل لبيته وعائلته وتاقت نفسُه إلى بلاده وإلى اهله
فأخبر صاحب البيت عن نيّته في العودة إلى بلده ،
فعزّ عليه فراقه لصدقه وأمانته ،
وأعطاه ثلاثة بعارين من الإبل وودّعه وتمنى له أن يصل إلى أهله وهو بخير وسلامة ،
و كان هذا المعزّب أو المضيّف يشتهر بالحكمة وبعد النظر في الحياة ،
خطر له أن يفيد ضيفه وعرض عليه أن يبيعه بعضا من نصائحه وقبل الضيف بذلك
فقال الشيخ : كلّ نصيحة ببعير .
فأطرق الرجل مفكراً في النصيحة وفي ثمنها الباهظ الذي عمل طويلاً من أجل الحصول عليه ،
ولكنه في النهاية قرر أن يشتري النصيحة مهما كلفه الأمر
فقال له : هات لي نصيحة ، وسأعطيك بعيراً ؟
فقال له الشيخ : " اذا دنّق سهيل لا تأمَن السيل و لو تالي الليل ".
ففكر الرجل في هذه النصيحة وقال : ما لي ولسهيل في هذه الصحراء الموحشة ،
وماذا تنفعني هذه النصيحة في هذا الوقت بالذات .
وعندما وجد أنها لا تنفعه قال للشيخ : هات لي نصيحة أخرى وسأعطيك بعيراً آخر. .
فقال له الشيخ : " لا ترافق أزغب عيون ولا أفرق سنون ولا مقطع عوارض اللحية " .
وتأمل صاحبنا هذه النصيحة أيضاً وأدارها في فكره ولم يجد بها أي فائدة ،
فقال للشيخ هات النصيحة الثالثة وسأعطيك بعيراً آخر .
فقال له : " نام على النَّدَم ولا تنام على الدم، وزعل النهار خلَه للَيل وزعل اللَيل خله للنَهار".
ولم تكن النصيحة الثالثة بأفضل من سابقتيها ،
فترك الرجل ذلك الشيخ وسار في طريقه ،
وظل يسير لعدة أيام نسي خلالها النصائح من كثرة التعب وشدّة الحر .
وفي أحد الأيام أدركه المساء فوصل إلى قوم من العربان
قد نصبوا خيامهم ومضاربهم في قاع وادٍ كبير ،
فتعشّى عند عقيد القوم وباتَ عنده ،
وفي الليل وبينما كان ساهراً يتأمل النجوم طلع نجم سُهيل
ورأى البنيَة ( العنكبوت ) شايله عيالها من الجحر وطلعت يم الطَور وعرف إنَ الدنيا شتَاية،
تذكّر النصيحة الاولى التي قالها له الشيخ ففزع مذعوراً ، وأيقظَ عقيد القوم وأخبره بقصة النصيحة ،
وطلب منه أن يخبر قومه حتى يخرجوا من قاع ذلك الوادي ،
ولكن المضيّف سخر منه ومن قلّة عقله ولم يكترث له ولم يأبه لكلامه ،
فقال والله لقد اشتريت النصيحة ببعير ولن أنام في قاع هذا الوادي ،
فقرر أن يبيت على مكان مرتفع ،
وفي أواخر الليل جاء السيل يهدر كالرعد فأخذ البيوت والعربان ،
ولم يُبقِ لا دبش ولا طرش. سوى ( خرج فرس ) لعقيد القوم المليء بالذهب والمال ،
وأنعق للمواشي فتبعته وسار في طريقه عدة أيام أخر
حتى وصل في أحد الأيام إلى بيت في الصحراء ،
فرحب به صاحب البيت وكان رجلاً نحيفاً خفيف الحركة ،
وأخذ يزيد في الترحيب به والتذبذب إليه حتى أوجس منه خيفة ،
فنظر إليه وإذا به نفس المواصفات في النصيحه الثانيه
فقال آه هذا الذي أوصاني عنه الشيخ ، إن به نفس المواصفات لا ينقص منها شيء
وفي الليل تظاهر الرجل بأنه يريد أن يبيت خارج البيت قريباً من مواشيه وأغنامـه ،
وأخذ فراشه وجَرَّه في ناحية ، ولكنه وضع حجارة تحت اللحاف ،
وانتحى مكاناً غير بعيد يراقب منه حركات مضيفه ،
وبعد أن أيقن المضيّف أن ضيفه قد نام ،خاصة بعد أن لم يرَ حراكاً له ،
أخذ يقترب منه على رؤوس أصابعه حتى وصله ولما لم يسمع منه أية حركة تأكد له أنه نائم بالفعل ،
فعاد وأخذ سيفه وتقدم منه ببطء شديد ودبيب خفيف ثم أهوى عليه بسيفه بضربة شديدة ،
ولكن الضيف كان يقف وراءه فقال له : لقد اشتريت والله النصيحة ببعير ثم ضربه بسيفه فقتلـه ،
وساق ماشيته مع ماشيته وغاب في أعماق الصحراء
وبعد مسيرة عدة أيام وصل في تالي الليل إلى منطقة أهله ،
فوجد مضارب قومه على حالها ، فترك ماشيته خارج الحيّ ،
وسار ناحية بيته ورفع الرواق ودخل البيت فوجد زوجته نائمة وبجانبها شاب طويل الشعر ،
فاغتاظ لذلك ووضع يده على حسامه وأراد أن يهوى به على رؤوس الأثنين ،
وفجأة تذكر النصيحة الثالثة فبردت أعصابه وهدأ قليلاً فتركهم على حالهم ،
وخرج من البيت وعاد إلى أغنامه ونام عندها حتى الصباح
ولما استيقظ أهله ورأوه في مراح غنمهم ذهبت الزوجة وكشفت عن وجه النائم
فعرفته من سنحة ( فشخة ) في جبهته فعادت الزوجة فأخبرت إبنها
وأعدت القهوة فرحا بعودة رجل البيت،
وبعد شروق الشمس ساق أغنامه واقترب من البيت فعرفه الناس ورحبوا به ،
واستقبله أهل بيته وقالوا : والله من زمان يا رجل ، لقد تركتنا منذ فترة طويلة ،
انظر كيف كبر خلالها إبنك حتى أصبح رجلاً ،
ونظر الرجل إلى إبنه فإذا به ذلك الشاب الذي كان ينام بالليل بجانب زوجته
فحمد الله على سلامتهم ، وشكر ربه أن هداه إلى عدم قتلهم
وقال بينه وبين نفسه والله إن كل نصيحة أحسن من بعير
و سلامتكم
وقرر أن يهيم على وجهه في بلاد الله الواسعة طلبا للرزق ،
فترك بيته وأهله وغادر المنطقة متجهاً نحو الشرق ،
وسار طويلاً حتى وصل بعد جهدٍ كبير ومشقةٍ عظيمة إلى منطقة شرقيّ الجزيرة العربية،
وقادته الخطى إلى بيت أحد الشيوخ الأجواد الذي رحّب به وأكرم وفادته ،
وبعد انقضاء أيام الضيافة سأله عن غايته ، فأخبره بها .
فقال له المضيّف : ( الفقر لبس عيب ولا يوطّي من القدر شان لكن العيب على اللي يسوّي الشينه )
ما رأيك أن تعمل عندي على أن أعطيك ما يرضيك ؟......
ولما كان صاحبنا بحاجة إلى مكان يأوي إليـه ، وإلى عملٍ يعمل فيه اتفق معه على ذلك .
وعمل الرجل عند مضيفه أحياناً يرعى الإبل وأحياناً أخرى يعمل في مضافته يعدّ القهوة للضيوف ،
ودام على ذلك الحال لأكثر من عشرين سنة
كان الشيخ يكافئه خلالها ببعض الإبل والماشية .
ومضت عدة سنوات اشتاق فيها الرجل لبيته وعائلته وتاقت نفسُه إلى بلاده وإلى اهله
فأخبر صاحب البيت عن نيّته في العودة إلى بلده ،
فعزّ عليه فراقه لصدقه وأمانته ،
وأعطاه ثلاثة بعارين من الإبل وودّعه وتمنى له أن يصل إلى أهله وهو بخير وسلامة ،
و كان هذا المعزّب أو المضيّف يشتهر بالحكمة وبعد النظر في الحياة ،
خطر له أن يفيد ضيفه وعرض عليه أن يبيعه بعضا من نصائحه وقبل الضيف بذلك
فقال الشيخ : كلّ نصيحة ببعير .
فأطرق الرجل مفكراً في النصيحة وفي ثمنها الباهظ الذي عمل طويلاً من أجل الحصول عليه ،
ولكنه في النهاية قرر أن يشتري النصيحة مهما كلفه الأمر
فقال له : هات لي نصيحة ، وسأعطيك بعيراً ؟
فقال له الشيخ : " اذا دنّق سهيل لا تأمَن السيل و لو تالي الليل ".
ففكر الرجل في هذه النصيحة وقال : ما لي ولسهيل في هذه الصحراء الموحشة ،
وماذا تنفعني هذه النصيحة في هذا الوقت بالذات .
وعندما وجد أنها لا تنفعه قال للشيخ : هات لي نصيحة أخرى وسأعطيك بعيراً آخر. .
فقال له الشيخ : " لا ترافق أزغب عيون ولا أفرق سنون ولا مقطع عوارض اللحية " .
وتأمل صاحبنا هذه النصيحة أيضاً وأدارها في فكره ولم يجد بها أي فائدة ،
فقال للشيخ هات النصيحة الثالثة وسأعطيك بعيراً آخر .
فقال له : " نام على النَّدَم ولا تنام على الدم، وزعل النهار خلَه للَيل وزعل اللَيل خله للنَهار".
ولم تكن النصيحة الثالثة بأفضل من سابقتيها ،
فترك الرجل ذلك الشيخ وسار في طريقه ،
وظل يسير لعدة أيام نسي خلالها النصائح من كثرة التعب وشدّة الحر .
وفي أحد الأيام أدركه المساء فوصل إلى قوم من العربان
قد نصبوا خيامهم ومضاربهم في قاع وادٍ كبير ،
فتعشّى عند عقيد القوم وباتَ عنده ،
وفي الليل وبينما كان ساهراً يتأمل النجوم طلع نجم سُهيل
ورأى البنيَة ( العنكبوت ) شايله عيالها من الجحر وطلعت يم الطَور وعرف إنَ الدنيا شتَاية،
تذكّر النصيحة الاولى التي قالها له الشيخ ففزع مذعوراً ، وأيقظَ عقيد القوم وأخبره بقصة النصيحة ،
وطلب منه أن يخبر قومه حتى يخرجوا من قاع ذلك الوادي ،
ولكن المضيّف سخر منه ومن قلّة عقله ولم يكترث له ولم يأبه لكلامه ،
فقال والله لقد اشتريت النصيحة ببعير ولن أنام في قاع هذا الوادي ،
فقرر أن يبيت على مكان مرتفع ،
وفي أواخر الليل جاء السيل يهدر كالرعد فأخذ البيوت والعربان ،
ولم يُبقِ لا دبش ولا طرش. سوى ( خرج فرس ) لعقيد القوم المليء بالذهب والمال ،
وأنعق للمواشي فتبعته وسار في طريقه عدة أيام أخر
حتى وصل في أحد الأيام إلى بيت في الصحراء ،
فرحب به صاحب البيت وكان رجلاً نحيفاً خفيف الحركة ،
وأخذ يزيد في الترحيب به والتذبذب إليه حتى أوجس منه خيفة ،
فنظر إليه وإذا به نفس المواصفات في النصيحه الثانيه
فقال آه هذا الذي أوصاني عنه الشيخ ، إن به نفس المواصفات لا ينقص منها شيء
وفي الليل تظاهر الرجل بأنه يريد أن يبيت خارج البيت قريباً من مواشيه وأغنامـه ،
وأخذ فراشه وجَرَّه في ناحية ، ولكنه وضع حجارة تحت اللحاف ،
وانتحى مكاناً غير بعيد يراقب منه حركات مضيفه ،
وبعد أن أيقن المضيّف أن ضيفه قد نام ،خاصة بعد أن لم يرَ حراكاً له ،
أخذ يقترب منه على رؤوس أصابعه حتى وصله ولما لم يسمع منه أية حركة تأكد له أنه نائم بالفعل ،
فعاد وأخذ سيفه وتقدم منه ببطء شديد ودبيب خفيف ثم أهوى عليه بسيفه بضربة شديدة ،
ولكن الضيف كان يقف وراءه فقال له : لقد اشتريت والله النصيحة ببعير ثم ضربه بسيفه فقتلـه ،
وساق ماشيته مع ماشيته وغاب في أعماق الصحراء
وبعد مسيرة عدة أيام وصل في تالي الليل إلى منطقة أهله ،
فوجد مضارب قومه على حالها ، فترك ماشيته خارج الحيّ ،
وسار ناحية بيته ورفع الرواق ودخل البيت فوجد زوجته نائمة وبجانبها شاب طويل الشعر ،
فاغتاظ لذلك ووضع يده على حسامه وأراد أن يهوى به على رؤوس الأثنين ،
وفجأة تذكر النصيحة الثالثة فبردت أعصابه وهدأ قليلاً فتركهم على حالهم ،
وخرج من البيت وعاد إلى أغنامه ونام عندها حتى الصباح
ولما استيقظ أهله ورأوه في مراح غنمهم ذهبت الزوجة وكشفت عن وجه النائم
فعرفته من سنحة ( فشخة ) في جبهته فعادت الزوجة فأخبرت إبنها
وأعدت القهوة فرحا بعودة رجل البيت،
وبعد شروق الشمس ساق أغنامه واقترب من البيت فعرفه الناس ورحبوا به ،
واستقبله أهل بيته وقالوا : والله من زمان يا رجل ، لقد تركتنا منذ فترة طويلة ،
انظر كيف كبر خلالها إبنك حتى أصبح رجلاً ،
ونظر الرجل إلى إبنه فإذا به ذلك الشاب الذي كان ينام بالليل بجانب زوجته
فحمد الله على سلامتهم ، وشكر ربه أن هداه إلى عدم قتلهم
وقال بينه وبين نفسه والله إن كل نصيحة أحسن من بعير
و سلامتكم